العودة
احداث

حين تكتسب الآلة مرونة الحياة

يوسف احمد
يوليو

لم تعد الهندسة الحديثة تقف عند حدود التخصصات المنفردة، بل باتت تتكامل لتصنع مجالات قادرة على قيادة الثورة الصناعية القادمة؛ وفي مقدمتها "هندسة الميكاترونكس". هذا التخصص الحيوي يمثل المزيج العبقري والملتقى الهندسي بين أربعة علوم أساسية: الهندسة الميكانيكية والهندسة الإلكترونية وأنظمة التحكم الذكي والبرمجيات؛ لِتَنتجَ في النهاية أنظمة مؤتمتة قادرة على العمل الذاتي بكفاءة عالية. ورغم أن قسم هندسة الميكاترونكس يُعد واحداً من أحدث الأقسام العلمية الواعدة في كلية الهندسة بجامعة البصرة، إذ تم استحداثه قبل عامين فقط، إلا أن رؤيته الأكاديمية تسابق الزمن. وفي خطوة إستراتيجية بارزة تعكس الإصرار على توفير بيئة تعليمية متكاملة لطلبته منذ البداية، وتجسير الفجوة بين الفضاء الأكاديمي والواقع التطبيقي، شهد القسم افتتاح "مختبر الروبوتات"؛ ليكون بمثابة المنصة الفنية الحاضنة التي تعبر بأفكار الطلبة ومشاريعهم من حيّز المعادلات والنظريات إلى فضاء الأتمتة والإنتاج الفعلي. عند دخولك إلى المختبر الجديد، تلفت انتباهك مباشرةً الأجهزةُ والمنظومات الحديثة المصطفة على طاولات العمل؛ ومن أبرزها الأذرع الروبوتية المتقدمة خفيفة الوزن من نوع (Piper Robotic Arm). هذه الأذرع متعددة المحاور ليست مجرد مجسمات تعليمية جامدة، بل هي منظومات ديناميكية تمثل محاكاة حقيقية للأذرع المستخدمة في خطوط الإنتاج الذكية. تتيح هذه الأذرع للطلبة فرصةً ذهبية لتطبيق خوارزميات التحكم المساري المعقدة، وربط الآلة بأنظمة الرؤية الحاسوبية لتنفيذ مهام الفرز والالتقاط الذكي، مما يمنح الطالب خبرة مباشرة في كيفية التعامل مع الكود البرمجي وتحويله إلى حركة ميكانيكية دقيقة تحاكي الواقع الصناعي تماماً.

الرؤية الأكاديمية: العبور نحو التصميم والتصنيع

حول الأهمية الإستراتيجية والجدوى من افتتاح هذا المختبر، التقينا برئيس قسم هندسة الميكاترونكس، الأستاذ المساعد الدكتور علاء فلاح العبادي، الذي أكد في تصريح خاص أن أهمية أنظمة الروبوتكس في وقتنا الحاضر لا تخفى على أحد، وخاصة لطلبة كلية الهندسة، وأوضح الدكتور العبادي: "إن هدفنا الأساسي كان تطوير الواقع الأكاديمي وما زال كذلك من خلال رفده بالمختبرات الحديثة، والتي ستكون ركيزة لتطور عملية التعلّم وتطوير إمكانيات الطلبة خلال فترة الدراسة وما بعدها". وأضاف رئيس القسم مبصراً أبعاداً أعمق للتجهيز التقني: "إن المختبر لم يقتصر على أنظمة الروبوتكس التقليدية فحسب، بل تم تدعيمه بأنظمة حديثة تتمثل بالروبوتات الناعمة (Soft robotics) والتي لها تطبيقات كثيرة ومن ضمنها المجال الطبي؛ لكونها صديقة للبيئة ولا تحتوي على أجزاء صلبة، فضلاً عن إضافة عدد من الأجهزة التي تدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي". واختتم العبادي حديثه بنظرة واثقة مستشرقة تؤكد أن هذا المختبر بما يمتلكه من إمكانيات لن يتوقف عند مرحلة التعليم فقط، بل يتعداها وصولاً إلى مرحلتي التصميم والتصنيع الفعلي.

التوجه نحو المستقبل: أبحاث الروبوتات اللينة (Soft Robotics)

تأكيداً على ما أشار إليه رئيس القسم، فإن المختبر يسعى لفتح آفاق تكنولوجية غير تقليدية من خلال التركيز الفعلي على أبحاث "الروبوتات اللينة" (Soft Robotics)، والتي تعد واحدة من أبرز الطفرات في الهندسة الحديثة عالمياً. إن دراسة هذا التخصص تتيح للطلبة فهم النمذجة الرياضية والديناميكية المعقدة لهذه المواد المرنة والمطاطية التي تحاكي الكائنات الحية؛ لتمنح الآلة قدرة عالية على التكيف والتشكّل، وتوظيفها مستقبلاً في مجالات حيوية دقيقة وحساسة للغاية، مثل الأجهزة الطبية الجراحية المتطورة، والزراعة الذكية، وأنظمة الإنقاذ في البيئات الوعرة وغير المنتظمة، مما يضع طلبة جامعة البصرة في صدارة مواكبة الأبحاث والاتجاهات الهندسية العالمية. إن تأسيس قسم هندسة الميكاترونكس في كلية الهندسة بجامعة البصرة لم يكن مجرد إضافة عددية للأقسام العلمية، بل كان ضرورة حتمية فرضها تسارع العصر التكنولوجي الرقمي. وحول الرؤية المستقبلية الشاملة للقسم، أشارَ الدكتور علاء العبادي الى ميزة هذا التخصص قائلاً: "هذه الاختصاصات هي مزيج من هندسة الكهرباء والهندسة الميكانيكية وهندسة الحاسبات وهندسة السيطرة، وهي ليست مواد جامدة موزعة على الفصول الدراسية، وإنما تتكامل مع بعضها لتنتج مهندساً قادراً على العمل بخبرات هجينة من كل تلك الاختصاصات ومؤهلاً لسوق العمل". ورغم قصر المدة الزمنية منذ انطلاقته، يثبت القسم يوماً بعد آخر أنه ينمو ويتطور بشكل سريع انطلاقاً من رؤيةٍ وعملٍ دؤوب من مِلاكه وتفاعل كبير من طلبته من خلال المشاركة بالمشاريع المختلفة. ولعل الدليل الأبرز على هذه الطفرة وصدارة القسم المرتقبة بين الأقسام الرائدة في الكلية هو ما كشف عنه رئيس القسم بالأرقام؛ حيث قفز القسم وانتقل من المرتبة التاسعة في القبول إلى المرتبة الخامسة من أصل تسعة أقسام هندسية خلال عام واحد فقط. ومع هذا الطموح الذي لا يعترف بالحدود، فإن مختبر الروبوتات الجديد ليس إلا المحطةَ الأولى في مسيرةٍ حافلةٍ؛ فالرؤية الحقيقية لقسم الميكاترونكس تمتد إلى ما هو أبعد من جدران المختبرات، تكمن في صناعة جيل من المهندسين العراقيين القادرين على قيادة عالم الأتمتة وإعادة رسم الخارطة الصناعية والتكنولوجية، لتثبت هذه الطاقات الشبابية في البصرة أن المستقبل لا يُنتظر.. بل يُصنع بأيديهم.

تدقيق: حيدر المرتضى