العودة
ترفيه

الجواهري على الإنستغرام

فاطمة عبدالحسين
يوليو

من بلادٍ إلى أخرى حتى منفاهُ الأخير في دمشق، حيث يستلقي الجواهري هناك على سريره ناظراً إلى حركة عقارب الساعة وصوتها؛ هدوءٌ يجتاح الجو، فكل شيء ساكن إلا عقل محمد الجواهري. في التكة الاخيرة التي رنّت في مسامعه، تجلَّت في رأسه فكرة معاصرة تقول: ماذا لو فتحتُ حسابا على منصة الانستغرام؟! أخرج هاتفه السامسونج ليحمّل التطبيق، وبعد برهة من الزمن تثبّت على واجهة المستخدم، فقام بتسجيل الدخول عليه، ووضع صورته الشخصية بنظارته ذات الإطار الأسود وطاقيّته المعروفة، بتلك اللقطة التي يكون واضعاً يدَهُ على خدِّه. وأراد أن يكتب نبذةً مِلؤها العِز والشجن ومُختصرةً لأن اسمه يكفي بأن يسرد تاريخه كاملا، فاختار أن تكون هكذا: محمد مهدي الجواهري | شاعر. فمِن أين للحسَّاسِ قلبٌ يريحهُ… ومن اين للقلب الغبي غرامُ؟ 📍النجف الاشرف منذ ١٨٩٩ - ٢٦ يوليو. …………………….. بعد إكمال إجراءات إنشاء الحساب، وقف حائراً أمام شاشة هاتفه: "ماذا سأنشر في ظل غياب الوعي وانتشار التفاهات؟ هل أبدأ بمنشورٍ قوي يفجّر مواقع التواصل بقصة خلعي للعِمامة؟! بالتأكيد ستثير ضجيجاً وتُصبح موضوعاً رائجاً، ولكنِّي لا أخشى هذا، فأنا مشهودٌ لي بالتمرد منذ الطفولة". قرر تأجيل المنشورات قليلاً، وعوضاً عنها يفتح بثّاً مباشراً، فذهب ليعدَّ لنفسِهِ كوباً من الشاي العراقي المُهيّل كُحلي اللون ذي الرائحة الطيبة. في تمام الساعة التاسعة مساءً، أضاءت شاشات هواتف المتابعين بإشعار: (بدأ الجواهري بثاً مباشراً)، فدخلوا إليه وانهالت عليه التعليقات التي تزيّنت بأكاليل الفرح، فافتتح البث بصوته الرخيم الهادئ مرّحِبا: "أَهْلاً وَسَهْلاً، وَمَا جَاشَ الفُؤَادُ بِهِ… مِنَ التَّحِيَّاتِ، مَا قَرَّتْ بِهِ العَيْنُ" وبعد هذه التحية ذاتِ النبرةِ العراقيةِ جداً التي يملؤها هدير الألم: "كيف حالكم أيها المتابعون لهذا الشاعر المتعب؟ دون إطالة سنبدأ أمسيتنا الليلة (حكايات مع الجواهري)." أخذ يرتشف من شايهِ يقص عليهم كيف صقلت الأيام روحه المتبلورة بحوادث الدهر السابقة، واختار لهم من بين تلك المحطات، قائلاً بصوته: "عندما سقطتُ من مدرج عالٍ وضعتني عليه والدتي وأنا في الثانية من عمري، فكان فيّ ما أنا عليه حتى الآن في شيخوختي من قلق وتحرك بل وتمرد ايضاً. فسقطتُ وكسرت يدي اليمنى وجبرتُ على نحوٍ خاطئ، وأُعيد جبرها مرة ثانية. وثمة الى الان شيء من هذا الكسر باق عليها، حتى ظل لاحقاً بي لقب "الأعضب". سألهُ أحد المتابعين: "شاعرَنا ما معنى الأعضب؟" فابتسم قائلا: "معناه: هو كل ما فيه قطع أو كسر في أطرافه". وتابع سرد قصته، فقال: "هذا اللقب كان مُلازِما لي حقبةً طويلةً من حقب فتوَّتي وصِباي. ولقد كانَ الفتيانُ من عمال البناء في دارنا يتلقونَني وأنا بين الثالثة والرابعة من عمري بأغنية مشفوعة بالتصفيق، أول ما فيها (مهدي عنيبي)، مبدلين الضاد بالنون لبقايا خنة في لساني، ما يزال حتى الآن أثرها باقيا عندي؛ أي أنهم كانوا يقصدون (مهدي عضيبي، يفور فورة ويستوي). وإلى يومي هذا وأنا ذلك الرجل، عضيبي وأفورُ الفورة الساخنة الثائرة، ثم سرعان ما أستوي و أعود إلى طبيعتي، لَكأنَّ هذه الأُهزوجةَ المرسلة عفو الخاطر، هي حتمي وخاتمي". كان من بين التعليقات واحداً أثَارَ في نفسه شجنا وحزنا، جاء فيه: "ألّا تحنُ إلى ديارك؟" فأجابَ شاعر العرب الأكبر: "سَهِرْتُ وَ طَالَ شَوْقي لِلْعَـراقِ ... وَ هَـلْ يَدْنُـو بعيدٌ بِـاشْتِيَــاقِ؟ وَ مَـا لَيْلـي هُنَــا أَرَقٌٌ لَـدِيْغٌ ... وَ لَا لَيْلي هُنَـاكَ بِسِحْــرٍ راقِ وَ لَكـنْ تُربَـةٌ تَجْفُـو و تَحْنُـو ... كَمَــا حَنَتِ المَعَاطِـنُ لِلنّيَــاقِ" "وبعد هذه الأمسية الجميلة يا أعزائي، انتهى بث الليلة، وانتظروني غداً بتنزيل أشعاري على صفحتي هذه الوحيدة ولا أملك سِواها، واخيراً أقول: وَداعا ما أردت لكَ الوَداعا… ولكنْ كانَ لي أملٌ فضاعا إلى اللقاء أيها الأحبة". انتهى البث المباشر ولكن لم ينتهِ التفاعل؛ فقد سُجّل واقتُصَّ منه مقطعه وهو يقول (مهدي عضيبي…)، فقد لاقى هذا المقطع انتشاراً واسعاً وإعادات نشر بالآلاف، حتى أصبح رائجاً "تريند" في جميع مواقع التواصل الاجتماعي.

تدقيق: حيدر المرتضى