العودة
ترفيه

جارةُ القمر: بين الغناءِ و المسرحِ

بتول حازم
يوليو

نُهاد وديع حداد، المعروفة بـ"فيروز"، وهو الاسم الذي أطلقهُ عليها الملحنُ اللبناني حليم الرومي بمنطلقِ مسيرتها الفنية، مَن منا لم يسبق لهُ أن عاش في صوتها الآسر المحمل بشتى الأحاسيس؟ "صوتٌ يكادُ من طهارتهِ أن يفقدَ آدميته"، " صوتٌ من الحرير"، "صوتٌ قادمٌ من السماء"، وهذا بعضٌ من مديح موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب لصوتِ فيروز الملائكي، والذي لحنَ عدداً ليس بقليلٍ من أغانيها، مثل: أغنية (سكن الليل) من قصائد جبران خليل جبران، وقصيدة (يا جارة الوادي) لأحمد شوقي التي لحنّها وغنّاها محمد عبد الوهاب في عشرينيات القرن الماضي؛ وأعادتْ إحياءها فيروز بتوزيعٍ جديد بعدهُ في الستينات. لم يكن محمد عبد الوهاب الوحيد الذي خُطِف لبه بصوتها الساحر، بل وأثنتْ عليها أيقونة الغناء العربي أم كلثوم. فيروز كانت رمزاً للسلام في خضمِ الحروبِ التي مرتْ بها لبنان، وصوتها ما زال مُذاعًا فوق حطام المباني المدمرة. لك أن تتصور محاربًا يجهز سلاحه ويأكل طعامه ويرتدي ثيابه ويسمع فيروز في الصباح، ويمكن أن يتخلى عن أول ثلاثة في سبيل الأمر الرابع، حتى إن عدو هذا المحارب نفسه سيفعل الأمر ذاته. لبيروت… سلامٌ من قلبي لبيروت **** لبيروت… مجدٌ من رماد لبيروت (من أغنية: لبيروت). كانت معظم أغاني فيروز وليدةَ المسرحيات التي مثلتْ فيها من تأليف الرحابنة، ولم تخرج بالبداية كأغانٍ مستقلة كما نسمعها منفردةً الآن، ومن أشهر هذه الأغاني: "كان عنا طاحون"، "في قهوة عالمفرق"، "راجعين يا هوى" من مسرحية لولو (1974). تدور المسرحية حول الفتاة لولو (فيروز)، والتي تُتهم ظلمًا بجريمة قتل ويشهد ضدها أهل القرية وتُحكم بالسجن مدى الحياة ثم تتضح برائتها بعد (15) عامًا لتعود وتنتقم ممن شهد ضدها زورًا. "يا أنا يا أنا"، "نسم علينا الهوى" من مسرحية ناس من ورق (1971). تستعرض المسرحية فرقة غنائية تتجول بين المدن لتنتهي عند مدينة يستعدون فيها لإجراء الانتخابات، فيقرر أحد المرشحين أن يواجه تشويش الفرقة على حملته الانتخابية. "طريق النحل" من مسرحية ناطورة المفاتيح (1972). تحكي المسرحية عن الملك الظالم جييرون الذي نهب شعبه بالضرائب، فيقرر الشعب بأكمله الهجرة وترك البيوت فارغة، ولم يتبق في القرية سوى زاد الخير (فيروز) لتحرس مفاتيح البيوت؛ تدور بينها وبين الملك الأعزل حوارات طويلة. "رجعت الشتوية"، "سألوني الناس"، "ليالي الشمال الحزينة " من مسرحية المحطة (1973). مسرحية يغمرها الحزن عن وردة (فيروز) حين تصل لقرية لا توجد فيها محطة قطار، وتقنع أهلها بأملها المستميت عن القطار القادم؛ ليتحقق أملها فيما بعد إذ يأتي القطار فعلاً ويحمل أهل القرية دونها تاركاً وردة تنتظر في المحطة. "آخر أيام الصيفية"، "سألتك حبيبي لوين رايحين" من مسرحية ميس الريم (1975). تعرض المسرحية قصة حب عاشقين أُجبرا على الفراق بسبب عداءٍ بين عائلتهما فتحاول زيون (فيروز) التي علقت سيارتها في هذه الضيعة أخذ الأمر على عاتقها وإصلاح الخلاف. وغيرها الكثير مما تركتهُ فيروز من إرثٍ مسرحي وغنائي لا يزال يعيش فينا وبيننا إلى يومنا هذا، من واقع فيروز الصاخب بالأحداث وما بين خشبات المسرح وأقلام الرحابنة وأوتار الموسيقى تركتْ لنا فيروز هويةً موسيقية خاصة بها. العجيبُ والأعجب أنك كلما سمعت صوتها تظن أنها أزلية. صوت لا بداية ولا نهاية له، فختاماً… لا أظن هناك ختاماً لفيروز!

تدقيق: مريم نزار