العودة
احداث

كفاح النساء العاملات في جامعة البصرة

شمس الزهراء صبيح ,مهدي منتظر
يوليو

في أروقة الجامعات، لا يقتصر الكفاح على قاعات الدراسة أو ساحات البحث العلمي، بل يمتد ليشمل قصص النساء العاملات اللواتي يحملن على عاتقهن مسؤوليات مضاعفة؛ فهنّ يوازنّ بين العمل الشاق داخل الحرم الجامعي وبين مسؤوليات الحياة الأسرية والاجتماعية، ورغم أن جهودهن قد تمر أحيانًا دون تقدير كافٍ، إلا أن أثرهن حاضر في كل زاوية، من قاعات المحاضرات إلى ساحات الجامعة. وكفريق المراسلين، قمنا بمقابلة (4) عاملات يعملن في أماكن مختلفة داخل الجامعة لفهم وضعهنّ وكيف يتعاملنّ مع ضغوطات العمل كنساء، وكانت كالآتي: سيدتان عاملتان في كلية الهندسة، عملتا لفترة تتعدى عقد من الزمان؛ تتقاضيان رواتب يومية منذ اليوم الأول وإلى الآن. في بداية مباشرتهن العمل،واجهتهما مخاوف استبدالهما، أو تقليل الأجور. رغم أن الأجور غير مقنعة ولا تكفي لمتطلبات المعيشة، إضافة إلى عدم احتساب أيام العطل والإجازات إلا للضرورة ضمن الأجر اليومي. وكانت الأسباب لرفض تثبيتهما في العمل هي أعمارهما الكبيرة، وهذا ما جعل حياتهما كفاحًا من أجل المعيشة. كيف توفقان بين العمل والعائلة؟ قالت إحداهما: لديها من يهتم بالعائلة من أبناء وأحفاد إضافة إلى عملها لإعالة العائلة. أما الأخرى فأجابت: أغلب المسؤولية تقع على عاتقها من العمل إلى الاهتمام بالعائلة. خلال مدة العمل، ما أكبر عائق أو مضايقات واجهتماها؟ أجابتا: كوننا نعمل في أعمال التنظيف فلابد من المتاعب، حيث نبدأ العمل صباحًا بتنظيف القاعات وإنجاز مهام أخرى، ولكن الطلبة غير مبالين؛ حيث يتركون في أماكن جلوسهم مختلف الأوساخ (عبوات المياه، والسجائر والأوراق، والأطعمة، وغيرها). ويرجى أن ينتبه الطلبة ويهتموا بالنظافة لتخفيف العبء على عاتق العاملين. بماذا تصفان عملكما داخل الجامعة؟ وصفتا عمّلهما بـ"العمالة"، حيث لا يوجد إجازات ولا يحتسب لهن إضافات، بل يُنقص من أجورهن في أيام الغياب والعطل؛ إذ أنّها غير محتسبة الأجر. وبسبب قلة أعداد العاملين، يقع الحمل الأكبر عليهن من التنظيف والاهتمام بالأمكنة، رغم أن القاعات عديدة وكبيرة وتحتاج إلى جهد ووقت لتنظيفها. وقمنا بمقابلة عاملة أخرى تعمل في كلية الهندسة. وأيضا كما هو الحال معهن جميعًا، فطبيعة العمل الصعبة تُسبب لها إجهاداً وضغطًا كبيرًا، وتكافح من أجل عائلتها ومتطلبات الحياة. عملتْ في بادئ الأمر مقابل أجر يومي، ومن ثم تم تثبيتها تحت عقد عمل. افتتحتْ (حانوت)، تبيع فيه الشاي والقهوة والأطعمة الجاهزة بأسعار مناسبة للطلبة والأساتذة. هل عملكِ صعب؟ كيف تَصِفِينَه؟ أجابت: "چا شنسوي خاله بعد، العيشة تريد"، وبهذه الكلمات وبعيون متعبة إختارتْ التعبير عن حالها وحال طبيعة العمل الشاقة. ماذا باعتقادكِ الشيء الذي من الممكن أن يتوفر لكِ لتوسيع أو مساعدة مشروعكِ (الحانوت)؟ إجابتها كانت: لا أستطيع أن أقوم بالتوسيع، وهذا الحانوت مجرد دخل صغير إضافي أسترزق منه القليل، وكذلك الإقبال على الحانوت ليس بالشيء الكبير، لأن هنالك العديد من المطاعم والأكشاك داخل الكلية يلجأ لها الطلاب في أغلب الأوقات. وتوجهنا إلى كلية الصيدلة فوجدنا سيدة كبيرة في السن. افتتحتْ كشك صغير تبيع فيه منتجات بسيطة، كالشاي والماء والكيك وغيرها. يجذب الكشك أغلب الطلاب؛ بسبب طيبتها وبشاشتها في التعامل معهم، ولأن أسعارها مناسبة جدًا، وإذا لم يستطع الطالب أن يدفع، تعطيه ما يشاء مجانًا. وعندما طرحنا عليها سؤال: لماذا افتتحتِ هذا الكشك؟ كانت إجابتها: بعد أن توفت ابنتها الصغيرة، احتاجت إلى المال -حيث ليس لديها راتب اجتماعي- لتستطيع زيارة قبر ابنتها في النجف الأشرف، وهي مواضبة على هذا الفعل، وتسافر على الأقل مرة في الشهر بمفردها؛ إذ أن زوجها تُوفي قبل أعوام. تقديرًا للعمالات وجهودهن، احتفلنا بيوم العامل في ندوة مميزة، وخُصصت الندوة لتكريمهن وتسليط الضوء على دورهن الفاعل في مختلف ميادين العمل. حملت الندوة في مضمونها رسائل تقدير واعتزاز بعطاء المرأة العاملة؛ وسلطتِ الضوء على نماذج ناجحة من النساء العاملات اللواتي أسهمن بجهودهن في تطوير مؤسساتهن وخدمة المجتمع. وشهدتْ فقرة تكريمية احتفاءً بعدد من النساء المتميزات تقديراً لعطائهن وإخلاصهن في أداء مهامهن. وهدفت إلى ترسيخ ثقافة التقدير والاحترام لدور المرأة العاملة، وتعزيز روح المبادرة والتميّز، فضلاً عن خلق بيئة إيجابية داعمة للطاقات النسوية داخل المؤسسة الأكاديمية. وفي الخاتمة، يوم العامل هو فرصة لنؤكد أن كرامة العمل لا تُقاس بنوعه، بل بقيمته وأثره في حياة الناس. إن تكريم عاملات النظافة هو تكريم لقيمة العمل ذاته، ورسالة بأن المجتمع لا ينهض إلا بسواعد جميع بناته وأبنائه، مهما اختلفت مواقعهم أو طبيعة أعمالهم.

The Artist's Death: His Last Friend
تدقيق: مريم نزار