"هل ينتظره الموت أم جلس يواسيه"؛ هو سؤال صوّره الرسام البولندي زيجمونت أندريجويكز (Zygmunt Andrychiewicz) في لوحته "موت الفنان: صديقه الأخير"، (The Artist's Death: His Last Friend)، التي رُسمت عام 1901.
تُظهر هذه اللوحة غرفة تكاد تكون مرسمًا صغيرًا موحشًا، بنافذة في السقف لا يمرّ منها ضوء الشمس بشكل واضح، دلالةً على ضبابية الأجواء وظلمتها الكئيبة. على يسارها استقر سرير الفنان الشاب المريض المحتضر، وإلى جانبه أوعية الدواء الفارغة وكتب وأوراق متروكة تحت السرير. ويبدو أنه كان يصارع المرض لفترة طويلة، يتجلى هذا في بعثرة أدوات الرسم على أرضية الغرفة ولوحته غير المكتملة في الجهة المعاكسة للناظر. الضوء الصغير بالقرب من رأسه يجسد روحًا شفافة عذبة يحوم حولها الموت.
يظهر في اللوحة تجسيدٌ للموت يجلس بهدوء وعناية أمام الفنان، مرتديًا بدلة رسمية، ويعزف الكمان كأنه اللحن الأخير الموجع. هل جلوسه يدل على انتظاره لسلب روحٍ أخرى أم للقاء صاحبٍ عزيز طالما انتظره؟ هل حقًا سلبه الموت أم قرر الفنان أن ينهي حياته بنفسه؟
تعكس اللوحة جوًا كئيبًا مظلمًا وموحشًا، يمزج بين واقعٍ لا بد من حصوله وخيالٍ إبداعي عميق، تخليدًا للفنان. مما يظهر سخرية القدر، حيث اشتهر الفنان خلال حياته، التي طالت اثنين وثمانين عامًا، برسم المناظر الطبيعية الواقعية والصور الشخصية، بعد أن تلقى تدريبه الفني في "مدرسة وارسو للرسم"، حيث أنشأ استوديو لمتابعة مسيرته الفنية بعد عودته من باريس.
موت الحقيقة والصداقة
أراد الفنان البولندي إيصال جانبين متضادين للموت؛ فهو الحقيقة المطلقة لهذا الوجود، الملازم لكل مخلوق، حيث لا حياة بدون الموت. هو تلك الفكرة التي تقشعر لها أبدان المخلوقات، كما يقول أحد الكتّاب: "ذلك المخلوق المرعب الذي ترتعد الفرائص عند ذكره، مخلوق غامض… إذا شعر الفيل بدنو أجله فإنه يهجر القطيع إلى مكان بعيد ليلقى حتفه هناك".
وفي الوقت ذاته، هو الصديق الأخير والأقرب للإنسان عند احتضاره، فلو اجتمع كل أهل الإنسان وأصدقائه لن يكونوا أقرب إليه من الموت. يبدو أن الموت جاء لهذا الفنان مرتديًا بدلته، يعزف على أرقّ أنواع الآلات، كرمز للحزن المصاحب لنهاية الحياة، مواجِهًا له ومترقّبًا، كأنه يحرص على موته بسلام وأمان.
استخدم الرسام الألوان الداكنة للدلالة على الظلام والحزن والوحشة المهيمنة على أجواء المرسم، مع تسليط الضوء على الفنان المحتضر تعبيرًا عن روحه الصاعدة إلى السماء وتقبّله للواقع. رُسمت اللوحة بالألوان الزيتية، وهي معروضة الآن في "مجموعة المتحف الوطني" في "وارسو".