العودة
ثقافة

ليلة سقوط بغداد وانتهاء الخلافة العباسية

مريم ياسر
أبريل

المغول شعب تركي مغولي الأصل نشأ في سهول منغوليا، وكانوا قبائل رعوية متناثرة ومعروفة بالحدة والقوة، وتميزت ببنية اجتماعية صارمة ولغة مغولية خاصة بهم ونظام عسكري شديد الانضباط وقدرات لوجستية مبهرة، ولم تخلو من الخلافات بين القبائل نفسها على الرغم من اشتراكهم نفس اللغة والعادات مما كسبت سمعة دموية مرعبة، وازدادت سوءً عند دخولها أكبر المدن الإسلامية في زمن الخلافة العباسية وهي بغداد.

استمرت النزاعات بين القبائل حتى ظهر تيموجين الذي عرف لاحقاً باسم جنكيز خان، في نهاية القرن السادس الهجري قام بجمع هذه القبائل وأنهى الحروب الاهلية والخلافات بينهم، ووحد هذه القبائل المغولية تحت سلطته وأسس الإمبراطورية المغولية التي اجتاحت أسيا وأوربا آنذاك. أولى غزواته بدأت على الصين في شمالها وقام بنهب ثروات البلاد وانتهاك الأرواح وأبادة أكثر من نصف سكان الصين، ثم أكمل مسيرته إلى الغرب ولم يكتفي بالصين بل لحقها أترادو وسمرقند وبخارة وغيرها، وهي مدن كانت تابعة للدولة الخوارزمية، وكانت دولة مسلمة كبيرة آنذاك.

توفي جنكيز خان قبل استيلائه على الدولة الخوارزمية، حيث قال في آخر أيامه: "بمعونة السماء، لقد فتحت لكم أمبراطورية عظيمة لكن حياتي كانت قصيرة للغاية لتحقيق غزو العالم، هذه المهمة تركت لكم". اعتبرها أولاده واحفاده وجيشه وصية لإكمال مسيرة قائدهم، لاعتقادهم بنزول لعنة الله عليهم إذا لم يطبقوا بكلامه لشدة تقديسهم له. قبل موته قسم الأراضي بين أولاده الثلاث ليستمروا بما بدأه والدهم ويكملوا وصيته وغايته، وهي احتلال العالم وجميع البقع الموجودة على الأرض.

بعد موت جنكيز خان أكمل جيشه مسيرة الاحتغال على أراضي للدولة الخوارزمية، وبث الخوف لمن لم يلاقوا حتفهم، حيث قاموا بقتل أكثر من ربع سكان الدولة. ولم يكتفوا بالدمار، فقد قاموا بتوجيه قوتهم وسلطانهم إلى الهدف التالي، وهي بغداد...

الهدوء الذي يسبق العاصفة — كانت بغداد في منتصف القرن الثالث عشر أشبه بكهلٍ وقور يرتدي ثياباً من ذهب، لكن جسده يعاني من الوهن.

حيث كانت الأجواء في بغداد مشحونة بالتوتر السياسي والصراعات الداخلية بين مؤيد الدين بن العلقمي وقادة الجيش. كان الخليفة المستعصم بالله يحكم الدولة، حيث كانت بغداد قبل السقوط تعيش حالة من الإنكار، فالخليفة لم يكن رجلاً عسكرياً، بل كان يحب القراءة والعبادة والجلسات الهادئة.

عندما بدأت طلائع المغول بالظهور، نصحه القائد العسكري مجاهد الدين إيبك بأن يخرج بكل جيش بغداد لملاقاة المغول بعيداً عن الأسوار، لكنال ابن العلقمي كان يثبط العزائم ويقول للخليفة:

"يا أمير المؤمنين، المغول قوم تجار، سنعطيهم بعض المال ويرحلون، فلا تخرج لهم بجيش وتستفزهم"

بقيت بغداد بلا خطة دفاعية حقيقية، بينما كان "إعصار الموت" يزحف.

وفي تلك الأثناء، كانت رسائل هولاكو تصل إلى الخليفة، تحمل نبرة تهديد ووعيد:

"إذا قدتُ جيشي إلى بغداد فإني سأقبض عليك في السماء كما أقبض عليك في الأرض"

في كانون الثاني من عام 1258، اكتمل الطوق حول بغداد مئات الآلاف من الفرسان المغول، ومعهم آلات حصار صينية متطورة أحاطوا أسوار بغداد. المغول لم يكونوا مجرد برابرة يركبون الخيول، بل كانوا يمتلكون "تكنولوجيا" حصار مذهلة أخذوها من الصينيين.

بغداد ليلاً تحت ظل الظروف المأساوية، صوت صهيل الخيول تختلط بصوت أرتطام حجارة المنجنيقات بأسوار المدينة. أسوار بغداد العظيمة التي صمدت قروناً، بدأت تتشقق وتنهار. الدخان يتصاعد في السماء تمطر كرات نارية مشتعلة بالنفط الخام، كانت تسقط على بيوت بغداد الخشبية فتشعل حرائق لا تنطفئ، والذعر يدب في الأزقة التي كانت يوماً تعج بالفلاسفة والشعراء.

لزيادة الضغط، قام المغول بالتلاعب بمسارات بعض القنوات المائية لإغراق معسكرات الجيش العباسي المرابط خارج المدينة، مما تسبب في غرق آلاف الجنود وهم في خيامهم قبل بداية المعركة.

في أواخر شهر يناير 1258م، استطاع المغول السيطرة على "برج العجمي"، ومنه بدأت جحافلهم تتدفق. لم يكتفِ المغول بالقتل والتدمير، بل استهدفوا عقل الأمة.

: حين صار النهرُ كفناً للحضارة — في تلك الليالي من عام 1258م، لم تكن بغداد تبكي فحسب، بل كانت تُصفى عروقها في النهر.

تخيل الأفق الذي كان يتلون بلون النيران التي تلتهم القصور والمساجد، بينما في الأسفل كانت تجري مأساة لم يرَ التاريخ لها مثيلاً.

بدأت المجزرة بصرخات مزقت سكون الفجر. لم يكن المغول يقتلون لإخضاع المدينة، بل لأجل التطهير العرقي والثقافي.

نزل الجنود في الأزقة، يسحبون العائلات من دورها. كانت السيوف المغولية تحصد الرؤوس وتلقي بالأجساد في النهر لتوفير عناء الدفن.

في الساعات الأولى من الصباح، كان دجلة قد فقد لونه الأزرق الصافي. بدأ اللون الأحمر القاني يتدفق من الضفاف، يمتزج بالماء ليتحول النهر إلى شريان ضخم من الدم. قيل إن خيول المغول كانت ترفض شرب الماء من شدة رائحة الدم التي فاحت في المكان.

ومع حلول المساء، بدأت مرحلة إعدام العقل البشري. اتجه المغول إلى "بيت الحكمة" والمستنصرية، وبدأت عملية "تجسير النهر" بالكتب.

مع رمي الدفعة الأولى من المخطوطات، بدأ الورق يمتص الماء، وبدأت مادة "النشا" والمواد الصمغية في الورق تنحل في تلك اللحظة، وتحت ضوء القمر الشاحب، كان النهر يظهر بلون رمادي كئيب، كأنه دخان سائل.

مع مرور الساعات، بدأت ملايين الصفحات المكتوبة بـ "المداد" (الحبر الأسود المصنوع من السخام والمواد الكيميائية) تفرز سوداء. مياه النهر تتصارع فيها دوامات الحبر مع دوامات الدم.

بحلول منتصف الليل، اختفى اللون الأحمر تحت سطوة الأسود الفاحم حتى صار النهر حبراً جارياً. سواد يبتلع كل ما فيه، كأن الأرض قررت أن تكتب حزنها بهذا الحبر الذي ضاع من صدور الكتب.

قد يسأل سائل: لم كل هذا الحقد على الورق؟

هولاكو لم يكن يريد احتلالاً عسكرياً فقط، بل أراد "إبادة حضارية". كان يؤمن أن قوة العرب والمسلمين تكمن في علمهم وتاريخهم. إذا دمرت الكتاب، فأنت تدمر الذاكرة، وإذا دمرت الذاكرة، حوّلت الشعوب إلى عبيد لا يعرفون من هم.

أرادوا أن يبعثوا رسالة للعالم كله: "نحن القوة التي تمحو الماضي". أرادوا أن يرى الناس عظمة علمهم وهي تغرق، ليدركوا أن سيف المغول أقوى من قلم الفيلسوف.

بعد أن أيقن الخليفة المستعصم بالله أن الأسوار قد سقطت، وأن صرخات النساء والأطفال وصلت إلى أبواب قصره، خرج في يوم 10 فبراير 1258م (الموافق 28 محرم 656 هجرية). لم يخرج كقائد جيش، بل خرج ككسيرٍ يرافقه ولده الأكبر وأكثر من ثلاثة آلاف من القضاة والفقهاء والأعيان، ظناً منه أن العمامة قد تشفع له عند "السيف".

لقاء الذل في مخيم هولاكو

دخل الخليفة على هولاكو في معسكره , الخليفة بثيابه الحريرية المنسوجة بماء الذهب، وهولاكو بملامحه القاسية وثيابه التي تفوح منها رائحة الخيول والدم لم يحترم هولاكو مكانة الخليفة؛ بل أهانه بالسخرية طلب منه أن يأمر أهل بغداد بوضع سلاحهم والخروج من المدينة ليتم إحصاؤهم، فخرج الناس ظناً منهم أن هناك أماناً، فكان المغول يحصدون رؤوسهم فور خروجهم من الأبواب

الذهب الذي لا يُؤكل: المشهد النفسي

قبل القتل، أراد هولاكو أن يكسر روح الخليفة وضعه أمام كنوزه العظيمة؛ صناديق الذهب، والياقوت، والزمرد التي كنزها العباسيون طوال 500 عام قال له هولاكو بسخرية مرة لماذا لم تأكل هذا الذهب؟" رد الخليفة بذهول: "وكيف يُؤكل الذهب؟" فصرخ هولاكو"إذن لماذا لم تصرفه على جنودك ليحمو ملكك من خيولي؟ ولماذا لم تصهر هذه السبائك لتجعل منها مسامير لتقوية أبواب مدينتك؟"

لحظة الإعدام: الموت ركلاً

هنا نأتي للطريقة البشعة التي قُتل بها كان لدى المغول معتقد "وثني" غريب؛ كانوا يخشون إراقة "الدماء الملكية" على الأرض، لأنهم يعتقدون أن دم الملوك إذا مسّ الأرض تسبب في غضب الأرواح أو حدوث زلازل وكوارث طبيعية. لذلك، ابتكر هولاكو طريقة إعدام تليق بدمويته : أمر الجنود بلف الخليفة المستعصم بالله في "نِطاع" (بساط ضخم من الجلد أو كيس من الخيش الغليظ). وضعوا الخليفة داخل الكيس وأغلقوه بإحكام، ثم طرحوه أرضاً في وسط المعسكر. أمر هولاكو فرسانه بأن يركضوا بخيولهم فوق الكيس , أصوات حوافر الخيول وهي تضرب الأرض، وصوت تكسر عظام آخر خلفاء بني العباس داخل ذلك الكيس. ظلوا يركلونه ويطأونه بخيولهم حتى انقطعت أنفاسه تماماً ومات تحت وطأة الدهس

صمت العباسيين الأخير

لم يكتفِ هولاكو بالخليفة؛ بل قتل أولاده وأقاربه ومسح السلالة العباسية في بغداد عن بكرة أبيها يُقال إنهم بعد أن تأكدوا من موته، ألقوا بجثته في مكان مجهول، وقيل إنهم أحرقوا القصر عليه، لكي لا يبقى له قبر يُزار أو أثر يُذكر.

في تلك الليلة، وبينما كان جسد الخليفة يُدهس تحت الحوافر، كان الحبر الأسود لا يزال يصبغ مياه دجلة، والدخان لا يزال يغطي سماء بغداد سقطت الخلافة ليس بضربة سيف في ساحة معركة، بل بـ "ركلة" في كيس خيش، لتعلن نهاية حقبة من العظمة وبداية قرون من الضياع

جيل الصمت وجيل المنصات
تدقيق: حيدر المرتضى