العودة
اراء

عندما يصبح التفوق قولبةً للمعرفة… هل فقدنا مهارة التعلم الجامعي؟

زهراء عصام
أبريل

عندما يصبح التفوق قولبةً للمعرفة… هل فقدنا مهارة التعلم الجامعي؟ داخل القاعة الدراسية، ليس كل صمتٍ احتراماً، وليس كل تفوقٍ فهماً؛ فكثير من الطلبة أتقنوا "القالب" لا المضمون. في بيئةٍ يُفترض أنها تصنع العقول، نجد الاختلاف يتلاشى تدريجياً؛ فالسؤال المغاير يُصنف "تشتتاً"، وطلب التبسيط يُفسر "ضعفاً"، ومن يحاول التفكير خارج المسار يُعاد قسراً إلى "النموذج الصحيح". إن المعضلة هنا تتجاوز طرق الشرح إلى تساؤلٍ أعمق: هل نُعلّم لنبني فهماً أم لنُدير نظام فرزٍ يقيس القدرة على التكيف؟ بمرور الوقت، يتخلى الطالب عن تطوير أسلوبه الخاص ويكتفي بتقليد الطريقة المقبولة سعياً وراء النجاح الأكاديمي. لكن السؤال الجوهري يبرز عند الانتقال إلى سوق العمل: هل هذا النجاح كافٍ؟ في الواقع، يواجه الخريج فجوةً صادمة؛ فالسوق لا يطلب استرجاع إجابات نموذجية، بل يتطلب مواجهة مشكلات غير متوقعة واتخاذ قرارات جريئة. وهنا تظهر تبعات "القولبة"؛ حيث يتردد الطالب الذي اعتاد التلقين في طرح رأي مختلف، مفضلاً انتظار التعليمات والالتزام بالأنماط الموجودة حتى وإن كانت غير فعالة. ورغم أن البعض يرى أن الجامعة توفر المنهج والبيئة، وأن تطوير الذات مسؤولية الطالب وحده، إلا أن توفير البيئة لا يكفي إن لم تُتح المساحة للتفكير بدلاً من التكيف. الفجوة ليست في غياب المحتوى، بل في آلية تقديمه التي تفترض أن كل العقول تُفهم بالطريقة ذاتها. إن النظام الذي يُكافئ الامتثال والنتائج الرقمية على حساب بناء الفهم والسؤال الجيد، يعامل العقول كنسخ متطابقة؛ التعليم الحقيقي لا يصنع نسخاً، بل يخلق اختلافاً واعياً، وإذا استمررنا في كسر هذا الاختلاف داخل القاعة، فلا ينبغي أن نتفاجأ من غيابه وتلاشي الإبداع خارجها؛ فالخطر الحقيقي ليس في أن يخطئ الطالب، بل في أن يتعلم ألا يسأل.

إسقاط واقعي على البيئة الدراسية لا يتوقف الأمر عند التنظير، بل يتجسد يومياً داخل القاعات؛ حيث لا يُقاس الفهم بالتحليل، بل بمطابقة "النموذج المعتمد". لقد بات غياب الصياغة الجاهزة في الإجابة سبباً للتقييم السلبي، تحت شعار "إن لم تكتب ما أراه صحيحاً فستأخذ صفراً"، في اختزالٍ حاد للطالب داخل مسميات (مهندس، طبيب) وكأن الخطأ محظور عليه، رغم أن الجامعة هي المختبر الأول للتعلم من الخطأ. هذا النمط خلق مفارقة: طالبٌ يحصد الدرجات الكاملة بالحفظ الميكانيكي دون إدراك للمنطق، وآخر يملك الفهم لكنه "خارج النص". ويمتد هذا النهج ليخنق الفضول المعرفي؛ ونستذكر هنا نموذجاً لزميلٍ في دفعتي كان شعلةً من النشاط والأسئلة الدقيقة التي تسبق المنهج، لكن هذا الحماس انطفأ بجملة عابرة من أحد الأساتذة: "يكفي… لقد تماديتم". تلك الكلمات، وإن بدت مزاحاً، وضعت حداً غير معلن للسؤال، وحولت مساحة التفكير المفتوح إلى ممرٍ ضيق، مما دفع الطالب للتراجع تدريجياً بعدما أدرك أن الأمان الأكاديمي يكمن في "التكرار" لا "الابتكار". أما في التقييم الرقمي، فتظهر فجوة أخرى؛ حيث يُختزل الجهد العقلي في النتيجة النهائية فقط. في المسائل الهندسية التي تقوم على المنهجية والتسلسل، قد يؤدي خطأ عددي بسيط في الخطوة الأخيرة إلى نسف مجهودٍ كامل، ليُساوى من حاول وفكر بمن سلّم ورقة فارغة. إن تجاهل "التفكير المنهجي" لصالح "الناتج الرقمي" يُفرغ العملية التعليمية من جوهرها، ويحول المختبرات إلى خطوات ميكانيكية تُنفذ بلا روح اكتشاف. وفي سياق المشاريع، يُفرض الالتزام بالنماذج التقليدية، مع استبعاد الأفكار المبتكرة لأنها لا تنتمي لـ "المعتاد". ويُبرر ذلك أحياناً بكون الأجيال السابقة عانت أكثر، وهو قياسٌ غير منطقي؛ فليس من المعقول أن نركب الجمال للتنقل بينما البشر صنعوا القطارات والسيارات والطائرات ومثل ذلك ظهور الذكاء الاصطناعي الذي بات ضرورة في سوق العمل تماماً كبرامج (Python) و (Office). هذا الواقع أنتج نوعين من الطلبة: صاحب درجات عالية يعجز عن شرح المفهوم لاعتماده على الحفظ، وطالبٌ قد لا يعكس تقييمه الرقمي ذكاءه لكنه قادر على تبسيط أعقد المفاهيم لأنه تعامل معها كفكرة لا كنص. إن الاستمرار في هذا النهج يُرسخ قناعة خطيرة: أن النجاة الأكاديمية تتحقق بالتكيف لا بالتفكير النقدي.

الأثر التراكمي: من ضيق القاعة إلى فجوة العمل لا يتوقف أثر "القولبة" عند حدود القاعة، بل يعيد تشكيل سلوك الطالب؛ فيتحول تركيزه من "كيف أفهم؟" إلى "ماذا أحفظ؟"، ويحلّ منطق تقليل المخاطرة محل الفضول الأكاديمي. هذا الطالب، حين يواجه سوق العمل، يجد نفسه عاجزاً عن المبادرة أو اقتراح حلول لمشاكل مختلفة، لأنه اعتاد على نظام "السؤال الذي يملك جواباً واحداً فقط". هكذا يضيع الخريج بين عالم نظري لم يستوعبه بعمق، وعالم عملي لم يُدرّب على أدواته، فيتحول إلى موظف "يُنفذ" ولا "يُطور". رؤية تربوية: التعلم المتمركز حول الطالب تؤكد الأدبيات التربوية الحديثة أن الحل ليس بتكثيف المناهج، بل بإعادة صياغة التعامل مع المعرفة؛ بحيث لا يُعامل الحل كقالب للنسخ بل كفكرة للتفكيك. وهنا يبرز دور ثلاثي الأبعاد: الجامعة: عبر اعتماد تقييمات مرنة تسمح بتعدد طرق الوصول للنتيجة. التدريسي: كميسر لاختبار الأفكار، حيث يصبح الخطأ بداية للفهم لا نهاية للتقييم. الطالب: بإعادة صياغة ما يتعلمه بلغته الخاصة، فالمعرفة التي لا يمكن شرحها بوضوح هي معرفة لم تستقر بعد. جدلية الفهم: بين النقد والدفاع في مقابل الطرح النقدي، تبرز وجهة نظر أخرى (يطرحها الطالب "حسن") ترفض اختزال الجامعة في إطار "النظري غير النافع". يرى هذا الرأي أن الجامعة هي البنية التحتية للمستقبل المهني؛ فهي توفر منهجاً علمياً منظماً لا يمكن تجميعه ذاتياً، وتتيح احتكاكاً مباشراً بخبرات الأساتذة، فضلاً عن المختبرات التي تربط المفهوم بالممارسة. كما أن الشهادة تظل وثيقة اعتماد دولية تفتح أبواب الفرص والبيئة الاجتماعية التشاركية. لا يظهر الرأيان كتناقض، بل كوجهين لعملة واحدة. الأول يصف القيمة الجوهرية لما "يجب" أن تقدمه الجامعة، والثاني يحذر مما يحدث حين يطغى التقييم الرقمي على بناء الفهم. يبقى التحدي الحقيقي ليس في المناهج، بل في خلق توازن يسمح للطالب أن "يفكر" بدلاً من أن "يتكيف"، لتنتج الجامعة عقولاً قادرة على بناء الفهم، لا مجرد استرجاع الإجابات.

الخاتمة: أين نقف فعلياً؟ في نهاية المطاف، لا يكمن السؤال الحقيقي في جدوى الجامعة من عدمها، بل في الكيفية التي نفهم بها دورها؛ فالجامعة مساحة لبناء المعرفة، لكن شكل هذه المعرفة يتشكل وفق الطريقة التي نعتمدها في نقلها واستقبالها. إن الخطر الحقيقي لا يكمن في جدران القاعة، بل في القناعات التي تتسلل إلى عقل الطالب يوماً بعد آخر؛ حين يعتقد أن النجاح هو "التشابه"، وأن الأمان يكمن في "عدم السؤال"، وأن التفوق هو مجرد "مطابقة النموذج". حينها، لا تصبح المشكلة في كون المناهج "نظرية"، بل في طالبٍ تعلّم كيف ينجو داخل النظام بدلاً من أن يستوعبه. إن التعليم المبني على "الإجابة الواحدة" ينتج عقولاً تجيد التكرار، بينما الهدف الأسمى للجامعة هو إنتاج عقلٍ قادر على مواجهة فكرة لم يرها من قبل، لا مجرد استرجاع ورقة امتحان محفوظة. لذا، يظل السؤال الجوهري الذي يحدد قيمة التجربة التعليمية: هل خرج الطالب من القاعة وهو يدرك جوهر ما كتبه، أم أنه أتقن فقط مهارة تدوينه؟ بين هذين السؤالين يتحدد مصير التعليم؛ هل هو مجرد "نظام درجات" أم "تجربة فهم"؟ وهل نخرج من الجامعة ونحن نفهم العالم حقاً، أم أننا تعلّمنا فقط كيف نمرّ منه دون أن نصطدم به؟

تدقيق: مريم نزار