العودة للرئيسية
آراء

بين جيل الصمت وجيل المنصات

داليا ليث شفيق
أبريل

في زمن أصبح فيه التعبير عن الرأي يُنشر بضغطة زر ويعلق الجميع على كل حدث بحرية، فيبدو وكأن الجيل الحالي أكثر حضوراً وأعلى صوتاً من أي وقت مضى.

لكن هذا التحول يطرح سؤالاً جوهرياً: هل أصبح الجيل الحالي أكثر جرأة في التعبير عن رأيه، أم أن الجيل الأسبق كان ببساطة أكثر تحفظاً؟

قد يعود هذا الاختلاف لإمكانية كلا الجيلين في التعبير، حيث أن في السابق لم تكن إمكانية التعبير أسهل مما هي عليه اليوم.

فكانت المنابر المتاحة للتعبير محدودة، والخوف من الأحكام الاجتماعية أو الانخراط في تعبير سياسي قد يغضب البعض ويكلف الكثير حاضراً بقوة، وأيضاً التربية التقليدية التي رسخت ثقافة "السكوت" وربطها للتحفظ بالحكمة والاحترام، كانت جميعها تؤثر على أبناء الجيل السابق، فأصبحت وكأنها يد خفية تُطبق على أفواههم وتمنعهم من التعبير عن آرائهم بحرية.

أما في الوقت الحالي، فقد أصبح التعبير عن الرأي أكثر سهولة. فبنقرة بسيطة يصبح رأيك منشوراً بين آلاف الآراء الأخرى على أي منشور يضم موضوعاً أخلاقياً أو فكرياً أو دينياً أو سياسياً، دون الخوف من الحكم الاجتماعي الذي قد يناله المرء بعد إبداء رأيه.

يعود السبب إلى مبدأ التربية الحديثة التي تشجع على التعبير إلى جانب الاطلاع أيضاً على الثقافات المختلفة، لذا أصبح التفكير في هذا الجيل أكثر تقبلاً لبعض الأمور ضمن نطاق أخلاقي وديني مقبول.

الجيل الحالي يبدو أكثر انفتاحاً لما سبقه بسبب انتشار ثقافة "حرية الرأي" حيث يجدون في آرائهم هويتهم الذاتية التي تعبر عن كل فرد منهم، وعد كثير من الأفراد أن الاستقلال بالرأي حق من حقوقهم الشخصية.

لكن في التفكير عن كل تلك الجرأة في التعبير، هل تعني بالضرورة وعياً أكبر؟

ليس دائماً. فكما نعلم جميعاً، لم تكن جميع الأفكار التي بدأت بهدوء أو نطاق محدود أقل تأثيراً، بل العكس، بعض منها تحول إلى قوى غيرت مجرى التاريخ.

على سبيل المثال، نشأ الحزب النازي في ألمانيا كخطاب محدود داخل حزب صغير، قبل أن يتحول ويتوسع تدريجياً ويجد له منبراً إعلامياً، ثم تحول إلى قوة مؤثرة انتهت بعواقب كارثية كما نعرفها اليوم.

وكذلك الحال مع الحزب الشيوعي؛ إذ ظهرت أفكار الكاتب كارل ماركس في البيان الشيوعي عام 1848، وظلت مجرد طرح نظري محدود الانتشار لسنوات طويلة؛ إلى أن تبناها فلاديمير لينين وقاد بها الثورة الروسية عام 1917 وأسس أول نظام شيوعي، لتتحول من مجرد فكرة مكتوبة إلى نظام سياسي قائم.

فقديماً كانت الأفكار والآراء أقل عدداً لكنها أكثر تنظيماً، أما اليوم فكم هائل من الآراء، كثير منها سريع وعاطفي وكثير التعبير، لكن كثرة التعبير لا تعني عمقاً فكرياً.

بعض الآراء تقال بدافع الظهور أو التفاعل السريع، وكما هو الحال اليوم على كثير من منصات التواصل الاجتماعي، نجد هناك فرقاً كبيراً بين امتلاك منصة للتعبير وامتلاك رأي ناضج يستحق التعبير عنه.

ربما لم يصبح الجيل الحالي أجرأ بقدر ما أصبح "أكثر ظهوراً"، كما أن تحفظ الآراء لدى الجيل السابق لا تعني بالضرورة ضعفاً بل كانت نتيجة لظروف اجتماعية مختلفة.

وبين الجيلين يبقى التحدي الحقيقي، ليس في كثرة التعبير... بل في جودة ما يُعبر عنه.

جيل الصمت وجيل المنصات
تدقيق: دانة حسام