في خريف عام 1609، لم تكن الموانئ الإسبانية تشهد حركة تجارية اعتيادية، بل كانت تكتظ بطوابير بشرية لا تنتهي، رجال يرتدون أزياء قشتالية، ونساء يغطين وجوههن بذه وأطفال يبكون بلغة إسبانية فصيحة، كانوا يساقون تحت حراسة مشددة من الجيش نحو السفن الراسية، يلتفتون وراءهم إلى حقول الزيتون وبيوت الأجداد التي عمروها لقرون، مدركين أنهم يمشون نحو غربة لا عودة منها، لقد صدر القرار الملكي الحاسم طرد "الموريسكيين" الاندلسيين الذين أُجبروا على اعتناق المسيحية ظاهرياً وبقوا في أرضهم، لكن ما الذي يدفعه لطرد مئات الآلاف من أكثر فلاحي وحرفيي البلاد مهارة ؟ وكيف تحول هؤلاء الذين عمدوا أطفالهم في الكنائس، وتحدثوا الإسبانية، وعاشوا كباقي المواطنين الى "طابور خامس" وخطر يهدد نقاء المملكة ؟، إنها قصة الخديعة الأقسى؛ فبينما كانت الكنيسة تظن أنها طهرت الأرض بنزع المصاحف وحرق لغة الضاد كان الموريسكيون يخبئون هويتهم في تفاصيل يومية مذهلة، كيف صمد الإسلام لأكثر من قرن كامل تحت بلاط البيوت وفي غرف التفتيش المظلمة ؟، وما الذي حدث لهؤلاء المساكين عندما رمتهم الأمواج على شواطئ شمال افريقيا، ليجدوا أنفسهم غرباء مجدداً، يُنظر اليهم كنصارى وأجانب في نظر إخوانهم في الدين؟ قبل قرار الانخراط في عمليات طرد للموريسكيين قامت السلطات الإسبانية والكنيسة بنشر أيديولوجية الوحدة الدينية ونشرت دعاية معادية للإسلام استخدموها فيما بعد لإطفاء الشرعية على اتخاذ سمعة المسلمين والإسلام اشكالاً عديدة ووصف النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) بالمسيح الدجال واتباعه بالزنادقة والكفار، تبنت محاكم التفتيش الإسبانية التي أسسها الملك فردينان والملكة ايزابيلا مفهوم طهارة الدم التي شرعت للتميز ضد الأشخاص من أصول مسلمه او يهودية، كان الموريسكيون عكس اليهود والمسلمين قد اعتنقوا المسيحية بالفعل ومع ذلك فقد تم تشويه سمعتهم ووضعهم في اسفل التسلسل الهرمي الإجتماعي القائم على النسب والدم وليس الجدارة، بدأت حملة تطهير اسبانيا الكاثوليكية في أواخر القرن الخامس عشر بطرد غير الكاثوليك وارتكاب اعمال التعذيب وقتل بوحشية؛ تم طرد المويسكيين بشكل جماعي بسبب انعدام الثقة والخوف بعد أن أجبرهم تشارلز الخامس ملك اسبانيا على الاختيار القاسي بين التنصير الاجباري الفوري او الرحيل، فاختاروا البقاء مرغمين تحت عباءة مسيحية واهية، لتتحول هذه المعمودية القسرية إلى صك اتهام دائم يلاحقهم لا صك أمان يحميهم، ولم يعد مفهوم "طهارة الدم" مجرد قانون تمييزي، بل غدا هوساً اجتماعياً جعل من ممارسات الموريسكيين اليومية البسيطة _كالاغتسال يوم الجمعة، أو امتناعهم عن شرب الخمر واكل لحم الخنزير أو حتى إشعال البخور في المناسبات دليلاً كافياً يسوق صاحبه الى محاكم التفتيش بتهمة "الهرطقة السحرية والممارسات الإسلامية الخفية" لقد عجزت الدولة بكل بطشها عن نزع العقيدة من القلوب، فخلق هذا العجز حالة من انعدام الشك المرضي والثقة، الذي صار يرى في كل موريسكي عدواً خفياً ينتظر اللحظة المناسبة للانقلاب، ومع مطلع القرن السابع العشر وتحديداً في عام 1609 تحول هذا الخوف الهستيري إلى قرار حاسم تحت حكم الملك فيليب الثالث، وتحت وطأة الأزمات الاقتصادية والهزائم العسكرية الإسبانية في الخارج جرى استخدام الموريسكيون ككبش فداء لتشتيت الرأي العام، فصدر المرسوم الملكي الشهير بالطرد النهائي والشامل، مانعاً إياهم من حمل أي ذهب أو فضة أو أموال ليخرجوا من ديارهم بملابسهم التي عليهم، هنا بدأت التغريبة الكبرى حيث سيق مئات الآلاف من الفلاحين والحرفيين والنساء والأطفال نحو الموانئ كطوابير من الأسرى يلتفتون وراءهم الى جنات الأندلس وبساتينها التي أُجبروا على تركها للتاج الأسباني، ولم تكن الفاجعة في خسارة الأرض والمال فحسب بل في تلك المفارقة المريرة التي كانت بانتظارهم على الضفة الأخرى من المتوسط، فالمجتمعات المحلية في موانئ شمال أفريقيا رأت في هؤلاء الوافدين بلغتهم الاسبانية الفصيحة، وعاداتهم الموريسكية، وملابسهم الاوربية "أجانب ونصارى مشبوهين" ليجد الموريسكي نفسه في نهاية المطاف طريداً غريباً من الوطن الكاثوليكي الذي لم يعترف بمسيحيته ولاجئاً غريباً في المنفى الإسلامي الذي شكك في عروبته وإسلامه حاملاً في جيبه صكوك ملكية ومفاتيح لبيوتٍ لن يراها أبداً في صدره هوية ممزقة دفع ثمنها طوال حياته .